كتبت الجمهورية تقول: الهشاشة الأمنية ممتدة من إيران إلى لبنان، وكلا الجبهتَين، مع عدم سريان الوقف الحقيقي لإطلاق النار، تبقيان في دائرة الاحتمالات الحربية الصعبة، إلى أن تبرز تحوُّلات جديدة أو متغيِّرات جذرية في المشهد، أو ربما مفاجآت تفرض انفراجات تأخذهما في الاتجاه المعاكس للتصعيد.
بين التوتر والإنفراج
على جبهة إيران، فإنّ الأجواء التفاؤلية التي لاحت في أفقها في الأيام الأخيرة، أوحت بأنّ الولايات المتحدة وإيران تتقدَّمان بسرعة نحو تسوية أو صفقة تُنهي الحرب الدائرة بينهما. إلّا أنّها بدل أن تكمِّل في هذا الاتجاه، اصطدمت بتطوُّرات ووقائع مفاجئة، تسارعت في الساعات الأخيرة في مضيق هرمز، وتجلّت في المناوشات الحربية وما جرى الإعلان عنه من استهداف أميركي لمرفأ إيراني وعدد من السفن الإيرانية، واستهداف إيراني لمدمّرات أميركية، بالتزامن مع وتيرة عالية من التهديد المتبادل.
وإذا كانت هذه الأجواء الملبّدة على جبهة إيران تشي نظرياً بأنّ الأمور قد عادت إلى مربّع الخطر والتوتر، إلّا أنّ تقديرات ديبلوماسية غربية تقارب التوترات الأخيرة بوصفها «تصعيداً مضبوطاً ومحدوداً بين طرفَين تجمعهما الحاجة الملحّة إلى إنهاء الحرب، كلّ لأسبابه، وتبعاً لذلك، تقلّل من احتمالات الإنزلاق نحو استئناف الحرب من جديد، وبالتالي فإنّ التعويل ما زال قائماً وبقوّة على المسار السياسي الذي، بحسب تلك التقديرات، تلوح في أفق المراسلات والأفكار المتبادلة بين واشنطن وطهران عبر الوسيط الباكستاني، انفراجات نوعية يرجَّح تبلورها في غضون أيام قليلة، ولاسيما أنّ المسافة الفاصلة بين الجانبَين الأميركي والإيراني وبين التسوية المحتملة بينهما، أقصر من أي وقت مضى».
حرب مفتوحة
وأمّا على جبهة لبنان، فحرب متواصلة، تتعرَّض فيها المنطقة الجنوبية، سواء جنوب الليطاني أو القرى المحاذية لها شمال الليطاني، لما تبدو أنّها عملية سحق وتدمير شامل تقوم بها إسرائيل، بالتوازي مع اعتداءات جوية وصاروخية، تكثفت أمس، على امتداد تلك المنطقة، ومحاولات توغل جديدة للجيش الإسرائيلي في بعض القرى والبلدات شمال الليطاني وإنذارات متتالية بإخلائها، وفي موازاتها، مواجهات عنيفة يقوم بها «حزب الله» في أكثر من منطقة، وعمليات واستهدافات كثفها بصورة ملحوظة يوم أمس، لمواقع وتجمُّعات الجيش الإسرائيلي والمستوطنات الحدودية، ولاسيما في الجليل والعمق الإسرائيلي.
وفق تقدير عسكري، لا توجد هدنة بمعنى الهدنة على جبهة لبنان، وما يجري في الميدان العسكري هو حرب مفتوحة، تهرب فيها حكومة بنيامين نتنياهو من اتهامها بالفشل في توفير الأمن لمستوطنات الشمال، وعدم تحقيق هدف القضاء على «حزب الله» وسلاحه، إلى محاولة فرض واقع جديد جنوب الليطاني، يمتد إلى نطاقات إضافية شمال الليطاني، وخالٍ كلياً من الحياة.
ويضيف التقدير العسكري عينه، أنّه على رغم من كثافة الاعتداءات والغارات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية، إلّا أنّ ما يصدر عن المستويَين السياسي والأمني في إسرائيل بالإضافة إلى الإعلام العبري، من تقديرات وتحليلات، يتقاطع عند صعوبات وتعقيدات كبرى تعترض الحرب الإسرائيلية، إذ حتى الآن لم تخلُ منطقة جنوب الليطاني من تواجد مسلّحي «حزب الله»، كما لم يتمكّن الجيش الإسرائيلي من رفع خطر الصواريخ المضادة للدروع عن المستوطنات، بالإضافة إلى الفشل في التعامل مع الخطر الجديد الذي بدأت تشكّله المحلّقات الصغيرة على الجيش الإسرائيلي.
ويخلص التقدير إلى ملاحظة تزايد التصعيد عشية جولة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي يُفترض أن تنعقد الأسبوع المقبل في واشنطن. إذ يرى صاحب التقدير، أنّ هذا التصعيد في مجمله مفتعل من جانب إسرائيل، بهدف فرض قواعد ووقائع أمنية جديدة ضاغطة على المفاوض اللبناني، ومفشّلة مسبقاً لهدف إجراء مفاوضات هادئة وليست تحت النار كما ترغب إسرائيل، ومفشلة أيضاً لأجندة الثوابت اللبنانية الرامية بالدرجة الأولى إلى وقف كامل لإطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة الجنوبية، كخطوة أولى وأساسية لانتشار الجيش اللبناني في كامل جنوب الليطاني.
المفاوضات المباشرة
ومع اقتراب موعد جولة المفاوضات، انصبّ الجهد الرئاسي على مسألة أساسية، وهي انعقاد هذه الجولة في أجواء هادئة، وهو ما أكّدت عليه رئاسة الجمهورية في سلسلة الاتصالات التي أُجريت مع الجانب الأميركي تحديداً، لحمل إسرائيل على وقف إطلاق النار. وبحسب مصادر موثوقة، إنّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ماضٍ في اتصالاته، ويؤمل تبعاً لذلك أن تفضي هذه الاتصالات إلى إيجابيات.
وبات جلياً في سياق المفاوضات، وفق ما يؤكّد مصدر رفيع معني بها لـ«الجمهورية»، أنّ «الجولة المقبلة تشكّل نقطة البداية الحقيقية لهذا المسار، ولبنان يتوخّى من هذه الجولة، ليس إصدار إعلان متجدِّد عنها بتمديد الهدنة، بل إعلاناً صريحاً بالوقف النهائي لإطلاق النار، ويعوّل لبنان على دور فاعل للراعي الأميركي في هذا الاتجاه».
ويلفت المصدر إلى ما سمّاها «إشارات خارجية» تستبعد إعلان وقف إطلاق النار في ظل التصعيد الذي يقوم به «حزب الله» ورفضه للمفاوضات المباشرة، واعتبرها وكأنّها غير موجودة، قوبلت بتأكيدات داخلية تفيد بأنّ كل المستويات في لبنان سواء المؤيّدة للمفاوضات المباشرة أو المعارضة لها تريد وقف إطلاق النار، وعندما يُعلَن عنه كل الأطراف ومن دون استثناء أي منها ستلتزم به، والشرط الأساس في هذا السياق هو التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، ووقف ما تقوم به في الجنوب من اعتداءات وتجريف وتدمير للقرى الجنوبية».
وإذ أقرّ المصدر بصعوبة مهمّة المفاوض اللبناني، أوضح: «من غير المستبعد أن تلجأ إسرائيل إلى إغراق المفاوضات بشروط وطروحات تعجيزية ومطالب غير قابلة للتطبيق تحت أي ظرف، وهذا ما يوجب على المفاوض اللبناني التنبُّه من محاولات الإبتزاز التي قد تمارسها إسرائيل حول أي تفصيل شكلي أو جوهري، أكان مرتبطاً بالشق الأمني، أو بالشق السياسي الذي رسمت حدّه مسبقاً بالوصول إلى اتفاق سلام وتطبيع مع لبنان».
الخارجية الأميركية
إلى ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في بيان أمس، أنّ الولايات المتحدة ستُسهّل يومين من المحادثات المكثفة بين حكومتي إسرائيل ولبنان يومي 14 و15 أيار.
وأشارت إلى انّه «استناداً إلى جولة 23 نيسان التي قادها الرئيس ترامب شخصياً، سينخرط الوفدان في مناقشات تفصيلية، تهدف إلى دفع اتفاق شامل للسلام والأمن، يعالج بصورة جوهرية الهواجس الأساسية لدى البلدين. وتهدف هذه المحادثات إلى القطيعة الحاسمة مع النهج الفاشل الذي ساد خلال العقدين الماضيين، والذي سمح للجماعات الإرهابية بالترسّخ وتعزيز نفوذها وثرواتها، وتقويض سلطة الدولة اللبنانية، وتعريض الحدود الشمالية لإسرائيل للخطر».
وقالت، إنّ «المناقشات ستعمل على بناء إطار لترتيبات سلام وأمن دائمة، والاستعادة الكاملة للسيادة اللبنانية على كامل أراضيها، وترسيم الحدود، وخلق مسارات عملية للإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار في لبنان. وقد التزم الطرفان مقاربة هذه المحادثات انطلاقاً من مصالحهما الوطنية، فيما ستعمل الولايات المتحدة على التوفيق بين هذه المصالح بطريقة تضمن أمناً دائماً لإسرائيل، وسيادةً وإعادة إعمار للبنان».
وأضاف بيان الخارجية الأميركية، «انّ الولايات المتحدة ترحّب بالتزام الحكومتين بهذه العملية، وتعتبر أنّ السلام الشامل يبقى مرتبطاً بالاستعادة الكاملة لسلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح «حزب الله» بالكامل، وهو منظمة تصنّفها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية أجنبية. وتمثل هذه المناقشات خطوة إضافية مهمّة نحو إنهاء عقود من النزاع وإرساء سلام دائم بين البلدين. وستواصل الولايات المتحدة دعم البلدين في سعيهما لتحقيق اختراق في هذا المسار».
عون... وتوجيهات لكرم
وكان الرئيس عون قد استقبل في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير السابق سيموم كرم، وزوَّده بالتوجيهات اللازمة التي تنضوي مهمّته تحت سقفها في جولة المفاوضات، وتركّز على الثوابت التي تجمع عليها كل المستويات الرسمية، أولها وقف نهائي لإطلاق النار، انسحاب إسرائيل من المناطق الجنوبية حتى الحدود الدولية، الإفراج عن الأسرى اللبنانيِّين، السماح للنازحين بالعودة إلى بلداتهم وقراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، وحتى الحدود الدولية.
وقد أكّد الرئيس عون على تلك الثوابت مجدّداً خلال استقباله في القصر الجمهوري أمس، المفوَّضة الأوروبية لشؤون المساواة والجاهزية وإدارة الأزمات حجة لحبيب، وشدَّد على أنّ «لبنان متمسك بوقف النار والأعمال العسكرية كافة، للإنطلاق بمفاوضات تنهي الوضع المضطرب القائم في الجنوب، تمهيداً لإعادة نشر الجيش حتى الحدود الدولية، والإفراج عن الأسرى اللبنانيِّين وعودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم».
وخلال اتصالين هاتفيين تلقاهما امس من رئيس وزراء كندا مارك كارني ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول طلب الرئيس عون «الضغط على إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار، ووقف أعمال التدمير والجرف في القرى والبلدات الجنوبية التي تحتلها».
وأكّد عون «أنّ الدعم الذي تقدّمه دول الاتحاد الأوروبي للبنان، يجب أن يصبّ في إطار الضغط لإلزام إسرائيل على وقف إطلاق النار، والامتناع عن تفجير المنازل وجرفها في القرى التي تحتلها في الجنوب، كما عن استهداف المسعفين والإعلاميِّين ورجال الدفاع المدني».
وخلال لقائه وفداً من الصليب الأحمر اللبناني، أكّد عون: «واجبنا الوقوف إلى جانبكم، والدفاع عنكم، وحمايتكم، ذلك أنّ ما تعطونه للبنان وأبنائه يبلغ مستوى القداسة. فلا قدسية تصل إلى مستوى بذل الذات بمجانية وعن قناعة، لإنقاذ حياة الآخرين، إنطلاقاً من إيمانكم بأهمّية المهمّة الإنسانية التي تقومون بها. وهذا الأمر مدعاة افتخار لكم من قبل جميع اللبنانيِّين. طالبنا بوقف استهداف الهيئات الصحية بمختلف وجوهها، من الصليب الأحمر إلى الدفاع المدني إلى جانب الإعلاميِّين، عملاً بالقوانين الدولية المعمول بها والأعراف الإنسانية. لكن للأسف، فإنّنا نواجه مَن لا يؤمن لا بقدسية القانون الدولي ولا يحترمه. لكنّنا لن نألو جهداً ولن نتوقف عن المطالبة بهذا الأمر، وتوجيه النداءات إلى مختلف الجهات في سبيل تحقيق هذا الهدف. نأمل أن ينتهي العدوان على لبنان قريباً، وننهي هذه المعاناة، ليعبّر لكم اللبنانيّون بأسرهم عن وقوفهم إلى جانبكم لدعمكم ولو بفلس الأرملة».
تفاؤل عربي
في سياق متصل، كشف مصدر ديبلوماسي عربي رفيع لـ«الجمهورية»، أنّ «المنطقة من إيران إلى لبنان دخلت فعلاً في مسار الخروج من الحرب».
ورجّح الديبلوماسي عينه «صدور إعلان كبير في غضون أيام قليلة حول الحرب في إيران، يتضمّن تفاهمات كبرى بين واشنطن وطهران، ومن شأن ذلك أن يرتد بإيجابيات على كل المنطقة، حيث ما من شك أنّ تبريد جبهة إيران باتفاق واشنطن وطهران، سينسحب تلقائياً على جبهة لبنان، حيث لا معنى آنئذٍ لاستمرار اشتعالها، على أن تُحلّ الأمور الخلافية بين لبنان وإسرائيل وتتمّ معالجتها والتفاهم عليها بصورة نهائية بالمفاوضات في ما بينهما». وأضاف: «أعتقد أنّ كل الحروب الدائرة قد دخلت فعلاً في مخاض ربع الساعة الأخير لإنهائها. وفي اعتقادي أنّ العامل الأساس المساعد على ذلك هو إدراك الأميركيِّين والإيرانيِّين لعدم جدوى الاستمرار فيها، فضلاً عن أنّ أسباباً داخلية ضاغطة على الجانبَين».
ورداً على سؤال عن الأصوات المتعالية داخل إسرائيل حول حاجة إسرائيل إلى استمرار الحرب على جبهة لبنان، أوضح: «واشنطن تريد إنهاء الحرب، ليس في إيران فقط، بل في لبنان، وكما سبق للرئيس ترامب أن فرض على إسرائيل الإلتزام بالهدنة مع إيران وعلى جبهة لبنان، يستطيع بالتأكيد أن يفرض قيوداً على إسرائيل ويلزمها بوقف الحرب».
وأردف قائلاً: «أنا على يقين أنّ لبنان مقبل في المدى المنظور على مرحلة من الهدوء والاستقرار، ستفتح أمامه الباب واسعاً لعودة الانتعاش على كل المستويات، والمعوّل عليه بالدرجة الأولى هو التفاهم والتناغم بين كل سلطاته الرسمية ومستوياته السياسية».
على صعيد سياسي آخر، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي أمس، قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وجرى بحث في الأوضاع في الجنوب، ومساعي تثبيت وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى الوضع الأمني في مدينة بيروت.